أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

253

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : وَمَوْعِظَةً عطف على « نكالا » وهي مفعلة من الوعظ وهو التخويف ، وقال الخليل : « التذكير بالخير فيما يرقّ له القلب ، والاسم : العظة كالعدة والزنة . و « للمتقين » متعلق بموعظة . واللام للعلة ، وخصّ المتقين بالذّكر ، وإن كانت موعظة لجميع العالم : البرّ والفاجر ، لأن المنتفع بها هم هؤلاء دون من عداهم ، ويجوز أن تكون اللام مقوية ، لأنّ « موعظة » فرع على الفعل في العمل فهو نظير « فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ » « 1 » ، فلا تعلّق لها لزيادتها ، ويجوز أن تكون متعلقة بمحذوف لأنها صفة لموعظة ، أي : موعظة كائنة للمتقين . قوله تعالى : يَأْمُرُكُمْ . . الجمهور على ضمّ الراء لأنه مضارع معرب مجرّد من ناصب وجازم . وروي عن أبي عمرو سكونها سكونا محضا واختلاس الحركة ، وذلك لتوالي الحركات ، ولأنّ الراء حرف تكرير فكأنها حرفان ، وحركتها حركتان ، وقيل : شبّهها بعضد ، فسكّن أوسطه إجراء للمنفصل مجرى المتصل ، وهذا كما تقدّم في قراءة بارِئِكُمْ « 2 » وقد تقدّم ذكر من استضعفها من النحويين ، وتقدّم ذكر الأجوبة عنه بما أغنى عن إعادته هنا ، ويجوز في همز « يأمركم » إبداله ألفا وهذا مطّرد . و « يأمركم » هذه الجملة في محلّ رفع خبرا لإنّ ، وإنّ وما في حيّزها في محلّ نصب مفعولا بالقول ، والقول وما في حيّزه في محلّ جرّ بإضافة الظرف إليه ، والظرف معمول لفعل محذوف أي : اذكر . قوله : أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً « أن » وما في حيّزها مفعول ثان ليأمركم ، فموضعها يجوز أن يكون نصبا وإن يكون جرّا حسبما مضى من ذكر الخلاف ، لأنّ الأصل على إسقاط حرف الجرّ أي : بأن تذبحوا ، ويجوز أن يوافق الخليل هنا على أنّ موضعها نصب لأنّ هذا الفعل يجوز حذف الباء معه ، ولو لم تكن الباء في « أن » نحو : أمرتك الخير . والبقرة واحدة البقر ، تقع على الذكر والأنثى نحو حمامة ، والصفة تميّز الذكر من الأنثى ، تقول : بقرة ذكر وبقرة أنثى ، وقيل : بقرة اسم للأنثى خاصة من هذا الجنس مقابلة لثور ، نحو : ناقة وجمل ، وأتان وحمار ، وسمّي هذا الجنس بذلك لأنه يبقر الأرض أي يشقّها بالحرث ، ومنه : بقر بطنه ، والباقر أبو جعفر لشقّه العلم ، والجمع : بقر وباقر وبيقور وبقير . قوله : هُزُواً مفعول ثان ل « أتتّخذنا » . وفي وقوع « هزوا » مفعولا ثانيا ثلاثة أقوال . أحدها : أنه على حذف مضاف أي ذوي هزء . الثاني : أنه مصدر واقع موقع المفعول به أي مهزوءا بنا . الثالث : أنهم جعلوا نفس الهزء مبالغة . وهذا أولى ، وقال الزمخشري - وبدأ به - : « أتجعلنا مكان هزء » وهو قريب من هذا . وفي « هزوا » قراءات ستّ ، المشهور منها ثلاث : هزؤا بضمتين مع الهمز ، وهزءا بسكون العين مع الهمز وصلا وهي قراءة حمزة رحمه اللّه ، فإذا وقف أبدلها واوا ، وليس قياس تخفيفها ، وإنما قياسه إلقاء حركتها على الساكن قبلها . وإنما اتّبع رسم المصحف فإنها رسمت فيه واوا ، ولذلك لم يبدلها في « جزءا » واوا وقفا ، لأنها لم ترسم فيه واوا كما سيأتي عن قريب ، وقراءته أصلها الضمّ كقراءة الجماعة إلا أنه خفّف كقولهم في عنق : عنق . وقيل : بل هي

--> ( 1 ) سورة هود ، آية ( 100 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 54 ) .